أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

278

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

الإدغام أن تقلب فيه الأول للثاني ، إلا في مسألتين : إحداهما : هذه : والثانية الحاء في الهاء نحو : « امدح هذا » لا تقلب الهاء حاء أيضا » ، ولذلك طعن بعضهم على قراءة أبي عمرو ، ولا يلتفت إليه . والغرور : [ يجوز أن يكون مصدرا وأن يكون ] جمعا . وقرأ عبد اللّه بفتح الغين ، وفسّر بالشيطان ، ويجوز أن يكون فعولا بمعنى مفعول أي : متاع المغرور ، أي : المخدوع ، وأصل الغرر : الخدع . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 186 إلى 187 ] لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 186 ) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ ( 187 ) قوله تعالى : لَتُبْلَوُنَّ : هذا جواب قسم محذوف تقديره : واللّه لتبلونّ . وهذه الواو هي واو الضمير ، والواو التي هي لام الكلمة حذفت لأمر تصريفيّ ، وذلك أن أصله : لتبلووننّ ، فالنون الأولى للرفع حذفت لأجل نون التوكيد ، وتحرّكت الواو التي هي لام الكلمة وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ، فالتقى ساكنان : الألف وواو الضمير ، فحذفت الألف لئلا يلتقيا ، وضمّت الواو دلالة على المحذوف ، وإن شئت قلت : استثقلت الضمة على الواو الأولى فحذفت فالتقى ساكنان ، فحذفت الواو الأولى ، وحرّكت الواو بحركة مجانسة دلالة على المحذوف . ولا يجوز قلب مثل هذه الواو همزة لأنها حركة عارضة ولذلك لم تقلب ألفا وإن تحركت وانفتح ما قبلها . وأصل لتسمعنّ : تسمعوننّ ، ففعل فيه ما تقدّم ، إلا أن هنا حذفت واو الضمير لأنّ قبلها حرفا صحيحا . قوله تعالى : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ : هذا جواب لما تضمّنه الميثاق من القسم . وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبو بكر بالياء جريا على الاسم الظاهر وهو كالغائب وحسّن ذلك قوله بعده : « فَنَبَذُوهُ » . والباقون بالتاء خطابا على الحكاية تقديره : « وقلنا لهم » ، وهذا كقوله : وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ « 1 » بالتاء والياء ، وتقدّم تحريره . وقوله : وَلا تَكْتُمُونَهُ يحتمل وجهين : أحدهما : واو الحال ، والجملة بعدها نصب على الحال أي : لتبيّننّه غير كاتمين . والثاني : أنها للعطف ، وأنّ الفعل بعدها مقسم عليه أيضا ، وإنما لم يؤكّد بالنون لأنه منفيّ ، تقول : « واللّه لا يقوم زيد » من غير نون . وقال أبو البقاء : « ولم يأت بها في « تَكْتُمُونَهُ » اكتفاء بالتوكيد في الأول لأنّ « تَكْتُمُونَهُ » توكيد » ، وظاهر عبارته أنه لو لم يكن بعد مؤكّد بالنون لزم توكيده ، وليس كذلك لما تقدّم . وقوله : « لأنّه توكيد » يعني أنّ نفي الكتمان عنهم من قوله : « لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ » ، فجاء قوله : « وَلا تَكْتُمُونَهُ » توكيدا في المعنى .

--> ( 1 ) البقرة ( 83 ) .